أحمد عبد الباقي
120
سامرا
ان هذه اللمحة القصيرة عن أواخر أيام المأمون تعطينا صورة واضحة عن طبيعة العلاقة العدائية المستمرة بين الدولة العربية ومملكة الروم . لقد كان أبو إسحاق محمد بمعية أخيه المأمون في حملته الأخيرة ، وكان المأمون أوصى له بالخلافة من بعده . ونظرا لما واجهه أبو إسحاق من معارضة بعض القواد الذين طالبوا بمبايعة العباس بن المأمون بدلا عنه ، فقد قبل مهادنة الروم ، واسرع في العودة إلى عاصمة الخلافة . وأمر بهدم ما كان المأمون أمر ببنائه في طوانة وحمل ما كان بها من السلاح والآلة الحربية وغيرها مما قدر عليه ، واحرق ما لم يقدر على حمله ، وأمر بصرف من كان المأمون قد أسكنهم هناك ، إلى بلادهم « 2 » . وقد يكون اسراع المعتصم باللّه بالعودة إلى العاصمة تنفيذا لما جاء في وصية المأمون له « وعجل الرحلة عني والقدوم إلى دار ملك بالعراق » « 3 » . الا ان قيامه بتخريب الحصن الذي أمر أخوه ببنائه ليقف في وجه هجمات البيزنطيين لم يعرف سببه ، الا ان يكون يخالف أخاه في أهمية موقع هذا الحصن من الناحية العسكرية ، أو انه أراد أن يغيض العباس ، وقد كلفه أبوه بالقيام على بناء الحصن المذكور . لقد شغل المعتصم باللّه في خلال السنوات الخمس الأولى من خلافته بالقضاء على ما واجهه من المشاكل والاضطرابات الداخلية مما لم يستطع معه مهاجمة بلاد الروم أو توجيه بعض الحملات إلى مدنهم الحدودية . ويظهر ان الروم من جانبهم قد ملوا استمرار القتال مع الجيوش العربية ، واغتنموها فرصة للراحة والاستعداد على أن انشغال الجيش العربي في القضاء على الاضطرابات ، وبخاصة حركة بابك الخرمي ، أصابه شيء من الانهاك . مما اثار في نفوس
--> ( 2 ) الطبري 8 / 667 ، وتجارب الأمم 6 / 470 . ( 3 ) الطبري 8 / 649 .